دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت

قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص

    

 

لا أعود إلى الظل


رتبت كل شيء ، سيعود زوجها فلا يجدها في البيت كالعادة .. في انتظاره مدة سبعة عشر عاما ، لم يتغير شيء في نظام حياتها ، دائما 
مشغولة بأعمال البيت ، ورعاية شؤون الأولاد ، ودائما في انتظار عودة زوجها من الخارج دون أن يكون لها الحق في سؤاله أين كان ، 
ولماذا تأخر . حتى الأولاد صارت لهم حياتهم الخاصة : ( خارج يا ماما . لا أدري متى سأعود . سأذهب للمذاكرة مع صديق . قد نخرج معا 
إلى النادي . لا تقلقي إذا تأخرت . صديقتي عندها فيلم فيديو جديد ومثير سأتفرج معها عليه ) . 
صفقت باب الشقة خلفها بعنف . لن لأتراجع . إذا لم تتخذ هذه الخطوة فعليها السلام ، في انتظار سيارة أجرة تنقلها إلى موقف الأتبيس 
الصحراوي المتجهة إلى الإسكندرية ، عاودها التردد . رجفة ، سرت في أوصالها : هل يمكن أن تكون هي بالذات التي تقدم على هذه القفزة
الهائلة ، هي الفتاة الهادئة المسالمة ، ثم الزوجة المطيعة المتفانية ، بعد ذلك الأم المتسامحة . من يصدق .. إذا كانت نفسها لا 
تكاد تصدق ، هل تعدل عن الفكرة ؟ اشتعل غضبها تعجلت سائق التاكسي . تحركت بها السيارة في الطريق إلى الإسكندرية . لحظات قصيرة من
الحيرة والخوف . كيف سيتقبل زوجها الخبر ؟ بماذا سيعلق الأولاد ؟ ما من واحد منهم تصور أبدا أنها يمكن أن تتخذ هذه الخطوة . 
بصعوبة قاومت دموعها ، لا تريد لمخلوق أن يرمقها بفضول أو بشفقة . حتى ابنة عمها التي اتصلت بها تسألها إن كانت على استعداد 
لاستضافتي في بيتها في الإسكندرية ، لم تخبرها بشيء من همومها . لماذا تزوجت هذا الرجل بالذات ؟ سرت رجفة في أوصالها ، لأول مرة 
تسمح لهذا السؤال بأن يطرق بعنف أبواب ذهنها . اعتبرت دائما مجرد هذا التساؤل خيانة لا يجوز للمرأة الفاضلة أن ترتكبها . ضغطت 
على نواجذها . أغمضت عينيها . يجب أن تخرق هذا المبدأ ، أن تناقش القضية من جديد ، خطأ أم صواب ؟ لكنه هو نفسه الذي وضعها في 
هذا الموقف ، الذي دفعها إلى مراجعة حساباتها ، لو لم يحدث ما حدث لظلت حتى آخر لحظة من عمرها على عماها ، وهل تزوجت برغبتها 
واختيارها ؟ كانت تعرفه منذ صباها المبكر . ابن أحد أصدقاء والدها المقربين ، لكنها لم تفكر فيه قط . أكثر من عشر سنوات تفصل 
بينها وبينه ، كان شابا يافعا حينما كانت مجرد صبية صغيرة . يحملها أحيانا بين ذراعيه ذراعيه ويقبلها بلا حرج . ابن خالها كان 
رفيق عمرها ، معه كانت تشعر وكأنها مع نفسها . كلاهما كانا يفضي إلى الآخر بهمومه ، همومه هو كانت من وفاة أمه وزواج أبيه بأخرى 
ضنت عليه بالحنان . وهمومها هي كانت الخلافات المستمرة بين الوالدين . أبوها قوي مسيطر عنيد . ولأن أمها لم تقل عنه قوة وعنادا،
فالمشاحنات بينهما كانت لا تنقطع ، أرهقتها تلك المشاحنات . ربما لهذا كانت تميل إلى استمالة أبيها ضمانا للسلام ، لكنها في نفس 
الوقت كانت تحمل له حبا وتقديرا . كان يبهرها بشخصيته . يأمر فيطاع . يعد فينفذ . الوحيد الذي استطاع بمرور الوقت ترويض أمها 
وكسر حدة عنادها أحيانا .. لكن الصدام الأكبر بينهما حدث بسبها . في سن السابعة عشر تقدم ابن صديق ابيها يخطبها ، لكنها كانت 
مشغولة بعواطفها نحو ابن خالها . وقام الصراع بين الوالدين . الأب .. ابن صديقه ويصر على أن تكون من نصيبه ، والأم ترفض لفارق 
السن وانتصارا لابن أخيها . كل ذلك دون أن يسألها أحدهما رأيها وكأن لا وجود لها على الإطلاق . الغريب أنها لم تثر .. لم تحاول 
إثبات وجودها . خشيت إن فعلت أن تصنع حدا للصراع الملتهب . ماذا فعلت ؟ وقفت بجانب الطرف الأقوى . ليس عن اقتناع ، لكن كان ذلك 
ضمانا لعودة الاستقرار إلى حياة الوالدين . أعلنت أنها تفضل الارتباط بابن صديق والدها ، على انتظار ابن خالها الذي لم يكن قد 
أكمل دراسته بعد . واسقط في يد أمها ، لقد خذلتها ، لكنها ارتاحت لموقفها الذي حمت به استقرارها ، ولو ضد حقيقة عواطفها . حاولت 
بعد ذلك فلسفة موقفها . هذا الزوج اختيارها بالفعل ، أحبت فيه أوجه التشابه مع أبيها . القوة والاعتداد ، لكنها في نفس الوقت 
أحبت فيه أيضا أوجه الاختلاف مع ذلك الأب . فهو على نقيضه يجيد فن التعامل مع المرأة يحنو ويدلل ، لكن دون أن يسمح لها أبدا بأن 
تقف منه موقف الند . وعاشت معه صورة مختلفة تماما عن امها . لأنها أرادت لحياتها الهدوء والاستقرار ، ولأنها أرادت أن تجنب أولادها 
حياة أسرية مضطربة ، كتلك التي عاشتها . أرادت أن تكون مختلفة . وكانت سعيدة بما يصفها به زوجها وأولادها من الطيبة . سعيدة إلى 
الحد الذي جعلها تترك الحبل ع8لى الغارب للجميع . الزوج والأولاد يخرجون ، يتأخرون ، وهي وحدها في البيت الكبير في انتظارهم . 
والمهم أن يعودوا سالمين . ذلك المساء .. عاد أصغرهم محمولا على أذرع أصحابه ، أخذ مفاتيح سيارتها دون علمها ، وحاول أن يتعلم 
قيادتها مع مجموعة من أصدقائه . طبعا فقد السيطرة على عجلة القيادة ، قدر ولطف .. الإصابة لم تكن قاتلة ، لكن الولد كان ينزف من 
جرح في جبهته ، والسيارة حدث فيها تلف كبير . والشرطة تدخلت . والمسألة فيها مساءلة ، صبي في الثالث عشرة من عمره كيف يسمح له 
بقيادة السيارة ؟ مخاطرة بحياته وحياة الآخرين . وأسقط في يديها .. أين زوجها ؟ خرج كالعادة . زعم أنه سيلتقي صديقا في النادي . 
حاولت الاتصال به على المحمول .. مغلق . اتصلت في النادي . قيل لها إنه غير موجود . لم يحضر كما أكد معارفه . اتصلت بابنها الأكبر 
في بيت أسرة صاحبه ، رد الصاحب بأنه كان من المفروض أن يحضر ليذاكر معه ، ولكنه لم يفعل . اتصلت بابنتها ، ردت أم الصديقة بأن 
الفتاتين ذهبتا إلى السينما ، ما شاء الله . وهي آخر من يعلم ؟ لكن ليس هذا هو المهم . الولد ينزف .. يجب إسعافه .. اكتشفت 
عجزها عن التصرف ، خاصة وأن سيارتها تحطمت تقريبا في الحادثة . أصبحت بلا حول ولا قوة . أخيرا هداها تفكيرها إلى الاتصال بصديقة . 
جاءت وزوجها مسرعين، ونقلا الولد إلى أقرب مستشفى، وظلا معها حتى ساعة متأخرة. سألتني الصديقة همسا : ( ألا تعلمين أين زوجك ؟ ) . 
أحست بأن وراء السؤال المفاجئ أشياء . ألمحت .. عرفت الحقيقة . توسلت إليها صديقتها أن تعالج الموقف بحكمة . فللرجال أحيانا 
نزواتهم . في لحظات تغيرت الدنيا . الزوج يخونها ، والأولاد يكذبون عليها ، الكل استغل طيبتها ، بل سخروا منها .. أتستمر على 
صمتها ؟ أتشتري استقرارها بذلك الثمن الفادح من رصيد كرامتها وكبريائها ؟ اكتشفت أنها استنفذت كل رصيدها من الصبر والاحتمال . 
فهذه المرة إما أن تتخذ موقفا أوعليها السلام حتى النهاية .
رفضت الاعتذارات المقرفة من الزوج والأبناء ، لم تعد تثق بأحد منهم . لأول مرة ارتفع صوتها في مواجهة الأولاد . أعلنت أن أحدا منهم 
لن يخرج إلا بإذن مسبق ، وعلى شرط أن تتأكد من وجهته . تبادلوا نظرات الدهشة منذ البداية ؟ واجهت زوجها في نفس تلك الليلة . 
حاول الإنكار ظنا منه أنها ما زالت الساذجة التي يستطيع أن يطويها ويخرسها بكلمتين حلوتين . اعترف .. قال إنها مجرد نزوة .. 
لم يكن في الواقع يعتذر ، انما كان يحاول إقناعها بأن ذلك شيء طبيعي ، والمفروض أن تقبل . ومن يدري ، ربما كان يتوقع منها 
مباركة نزوته . وصلت إلى الإسكندرية . الخطوة الجريئة احتاجت منها أسبوعا من التفكير العميق ، خلال هذا الأسبوع حاول الجميع 
استرضائها . أولاد نفذوا أوامرها حرفيا .. زوجها كف عن الخروج مساءً شعرت بأنهم يحاولون تخديرها ، ربما ليعودوا بعد ذلك أشد 
هجوما ، أحست بأنها فرصتها إن لم تنتهزها ، فقد فرضت على نفسها الاستسلام الدائم .. مخاطرة ؟ لتكن فأن تفقد كل شيء ، خير من أن 
تستمر المرأة الضعيفة المستغلة . أخيرا اتصل .وجها ، لكنها بالفعل لم تكن راغبة في محادثة الزوج الذي خان. رفضت ذلك عن اقتناع ، 
اعتبرت هذه أول ظاهرة صحية ، أول تصرف إيجابي ، لكن الغريب أن الزوج لم ييأس ، كرر محاولات الاتصال بالهاتف ، ثم جاء بنفسه . 
ليعتذر، ويرجوها العودة إلى البيت والأولاد. ولأول مرة سمعته يقول : ( لا غنى لنا عنك. شروطك كلها مقبولة ). عادت .. امرأة ناضجة . 
تعرف تماما ما تريد ، وترفض ما يتعارض مع كرامتها ، امرأة لها دور ، وبصمة ، ووجود ، وليست دائما شبحا في الظل . 

       

لآرائكم وإقتراحاتكم راسلوني على البريد الإلكتروني التالي

رأيك يهمنا