دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت      دلك نت

قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص        قصص

    

 

حين إلتقينا


حينما التقيا أول مرة تحت قبة الجامعة ..في كلية الهندسة.. كان انطباع كليهما أن لقاءهما الحقيقي لابد أن يكون قد سبق ذلك الموعد 
بفترة طويلة . إحساس غريب بأن كلا منهما عرف الأخر. ربما ولد في أعماقه يوم ولد . من أجلها قطع صلاته بفتيات كان يعرفهن ، ومن أجله 
أغلقت أبواب مودتها في وجه كل من سولت له نفسه اقتحام أسوار قلبها . لم يسألها أصلها وإمكاناتها ، ولم تسئله ظروفه وأحواله . 
أمور لم تكن تعنيهما في شيء .أحب كل منهما في الآخر الإنسان وليس الظروف ، انطلقا أشبه بطفلين بريئين مرحين يستمتعان بأيامهما .. 
الدراسة جادة ، والعلاقة حميمة ، والتفكير في الغد لا يشغلهما . اكتشفت بعد العام الأول أنه يعرف عنها كل شيء ، وأنها تجهل عنه 
الكثير . هو من عائلة عريقة ثرية ذلت مكانة اجتماعية متميزة ، وهي من أسرة متواضعة ، لكن كريمة . الأب مدرس إعدادي يبدل صحته 
ويحرق أعصابه في الدروس الخصوصية من أجل مستقبل أفضل ،هو ملعقة من ذهب في فمه .. وهي طعم الحرمان بكل مرارته . زلزلتها هذه 
الحقائق . لم تتصور أن من أحبت ينتمي إلى عالم آخر غير عالمها ، كل شيء فيه ومنه كان ينطق بأنه من دنياها .. مظهره مثلها .. 
من عاشق الجينز ، مثلها ينفر من التكلف ، مثلها يتكلم بما في قلبه ، مثلها يضحك من أعماقه ، مثلها يسخر من المتعالين . كيف كان 
لها إذن أن تشك ؟ عاتبته على الإخفاء . قال ونظراته تعانق في في حب نظراتها . ( لم تشأ أن تبني حاجزا وهميا بينهما ) . قالت : 
( كان من حقي أن أعرف . وأن أقرر ) . قال ويده تحتضن يديها : ( أتكرهين أن أقرر لنا معا أحيانا ؟ ) قالت : ( قرارك لا يلغي 
الفوارق ، إنها قائمة رغم أنفينا ) . قال وهو يتأبط ذراعها : ( دعينا معا نحطم العقبات ونقنع الآخرين بحبنا ) . سحبت ذراعها منه 
بسرعة قائلة : ( اختلف معك .. ليس للآخرين بنا شأن ، إنها قضيتنا وحدنا ) .
أطرق لحظات ثم قال : ( معك حق .. قضيتنا وحدنا ) . خسرنا الجولة الأولى من المعركة .. حينما وصلت إلى أسرته أخبار علاقتهما ، وأراد
هو الانتصار لحبنا ، فأعلن رغبته في خطبة تقطع ألسنة الناس وتجعلهما يتفرغان لدراستهما الجادة . مرة أخرى تكتم ما دار بينه وبين 
والديه . كل ما قاله لها : ( نؤجل الخطبة إلى ما بعد التخرج ) . قالت : ( لا تفرق معي كثيرا .. ثقتي بك كبيرة ) .. تأملها بنظرة 
طويلة شاردة قائلا : ( أتمنى أن أظل دائما عند حسن ظنك بي ) ، ثم أطرق .. أست بأنه ينوء بحمل ثقيل . قالت : ( ارفعي الضواغط عن 
نفسك ) . رد وابتسامة واهنة على شفتيه : ( كل شيء يهون ما دمت بجانبي ) . 
بعد التخرج ، قررا طرح القضية . هذه المرة لم يستطع أحدهما أن يخفي شيئا ، كانت مسألة مصير .. في بيتها طارت أمها من الفرحة ، 
عريس لقطة لابنتها تستطيع به أن تباهي كل أفراد الأسرة . أما أبيها فوجم وقال : ( أشم رائحة مشكلات لا أقبل لنا بها ) . في بيته هو 
.. كانت عاصفة ، الأب تعاطف والأم تعنتت ، وحيدها الذي ربته على الغالي ، الذي عاشت تحلم بعروسه وزفافه . اللعنة على أفكار العصر 
.. لا تؤمن ، وسحقا للحب .. العقل زينة . والعقل يقول إن الحب شيء والزواج شيء آخر ، وبالإرادة يمكن التغلب على كل شيء ، الدراسة 
نتهت ، وكل ما سطر صفحاتها من الأحداث يجب أن يمحى .. لقاءاتهما ، همساتهما ، عناق أصابعهما ، لهيب أحاسيسهما ، أسرارهما الصغيرة 
، عش أحلامهما . قالت في نفسها : ( يا إلهي .. هذه الأم القاسية . بكلمة منها تريد اغتيال كل ذلك ؟ ) .. صرخ هو : ( دعينا نتزوج 
دون موافقتها ، دون علمها ، ثم نضعها أمام الأمر الواقع ) . تصدى له أبيها بصرخة أعلى : ( أبدا .. نحن ناس بسطاء لا نملك إلا 
كرامتنا ، وهذه لا نستطيع التفريط فيها . إما أن تتزوج ابنتنا برضا والديك ، وإما أن تتركنا في حالنا .. نداوي جراح فلذتنا ) . 
جراحها كانت غائرة . تحطمت كل محاولاته على صخرة عناد أمه الطبقي ، أصبحنا نتقابل في الخفاء ، ويمضي بنا الوقت في صمت متوتر . 
فكرا في الهروب معا وسرعان ما استنكرا وعدلا .. كيف يخونان مبادئهما ، وكيف يتصرفان كمراهقين غير مسؤولين ، ثم فوجئ هو بأن كل 
شيء قد رتب له للسفر إلى أمريكا للحصول على الماجستير ثم الدكتوراه . خاله المهاجر قام بالمهمة على خير وجه . أحست بثورته .. 
ولم أشأ أن أزيد معاناته ، قالت له : ( سافر تصحبك السلامة . مستقبلك أهم من كل شيء آخر ) . قال بعد وجوم : ( من يدري .. ربما 
خطوة مباركة .. بعادي قد يدفع أمي إلى محاولة إرضائي فأعود في إجازة لعقد قراني عليك واصطحابك معي .. ) وعاد إلى الصمت .. ثم 
استطرد قائلا : ( أعدك بالمراسلة .. أعدك بأنني لن أرتبط بغيرك ) . شرقت بدموعها وهي تقول : ( لن أكون لغيرك أبدا .. سأنتظرك ) . 
بعد رحيله أظلمت الدنيا في وجهها . لامت نفسها على تعقلها . لماذا عدلت عن فكرة الهروب معه ؟ لماذا لم تتحدى هذه الأم المستبدة ؟ 
اقتحم أبي علي وحدتي ليقول لي : ( الحياة لم تنته . أحسن صنعا بسفره وبعاده.. يجب أن تفيقي الآن لنفسك وأن تخلعي عنك ثوب مراهقتك 
. واجهي المستقبل فتاتا ناضجة صهرتها التجربة واغلقي الباب قبل أن يغلقه هو ) . صرخت : ( سفره لن يغير شيئا مما بيننا ) ، رمقها 
أبيها بنظرة غريبة وقال : ( أتمنى ألا تكوني جادة ) . كانت جادة .. كتبت له قبل أن تصلها منه رسالة .. رسائله كانت قصيرة قصيرة . 
اكتشفت أشياء كثيرة يمكن أن تشغله عن الرد على خطاباتها .. الدراسة والرحلات والمجتمع الجديد . علمت أن أمه سافرت إليه في الإجازة 
الصيفية .. تيقنت أنها الحرب السافرة ، تريد أن تحول بينه وبين العودة حتى لا يراها . كان عند وعده ، اتصل بها بمجرد وصوله إلى 
أرض الوطن حاملا اللقب العلمي .. تماما كما وعدها في خطابه . بلهجة مهذبة قال إنه يريد أن يراني ، حددنا الموعد والمكان .. وضعت 
السماعة في هدوء . لم يحدث ما تخيلته .. لم أطلق صيحات الفرحة مرحبة بعودته ، شيء ما في لهجته المتزنة جعلها مقيدة ، شيء ما 
جعلها تشعر بأنها يجب ألا تتصرف بتلقائيتها القديمة .. جلست شاردة .. افتقدت لغتنا المرحة .. صيحاتنا الطفولية.. كل الكلمات التي 
اعتدا أن يتبادلانه حينما كان يغيب أحدهما عن الآخر . ثم .. لماذا اختار ذلك الفندق الحديث مكانا للقائهما ؟ تمنت لو كان قد حدد 
مكانا آخر له في جعبتهما ذكريات ، مكانا تستطيع أن تذهب للقائه فيه كما عهدها.. وأحبها . البنطلون الجينز والوجه المغسول والشعر 
الطويل ، الذي لم تعبث به يد الخلاق .أمضت ساعات النهار في البحث عن ثوب جديد اشترته ، ثوب يجعلها في نظره جميلة جذابة .. من قبل 
لم يكن ذلك يعنيها .. ما بذلت جهدا حتى تجتذبه . . عشقها بسيطة . عرجت أيضا على الحلاق .. تركته يقص ويصفف . خرجت من عنده فتاتا 
أخرى تؤكد المرآة أنها فاتنة. لكنها بالتأكيد ليست هي . ذهبت في الموعد المحدد.. وجدته في انتظارها، لا يقل عنها أناقة تصافحا .. 
انحنى وهو يشد على يديها ، لكنه لم يستبقها .. ولم تشعر بالرغبة في تركها له .. تبادلا كلمات المجاملة المعتادة بين الناس .. 
وليست تلك التي كانايتداولانها في الماضي . أقبل الساقي .. سألها العائد عن طلبي .. زمان كان يطلب دون سؤال .. يعرف ما تحب . 
انتهى الكلام بينهما سريعا . سادهما صمت متوتر . تبادلا ابتسامات مصطنعة .. أحست بمرور الوقت بطيئا ثقيلا ، نظرت في ساعتها فقالت : 
( تأخرت أسأذن ) . لم يحاول توصيلها بسيارته .. تيقنت في تلك اللحظة بأنه لقاء الوداع . بلا دموع . في الخارج وقفت للحظات .. كل 
ما كان مفروضا أن يقولانه .. لم يقولانه .. الحواجز القديمة التي انهارت بموت أمه وموت أبيها ، إرادتهما التي أصبحت حرة . الحب 
الذي أخلصا له على مدى ست سنوات ، الحرمان الذي عاشا فيه ، المستقبل الذي كانا يحلمان به . مسحت دمعة .. ست سنوات ضاعت من عمر 
شبابها . هل أحبته حقيقة أم أحبت الحب ؟ وهو هل أحبها حقيقة ؟ لماذا إذن لم ينتصر لذلك الحب منذ البداية ، وترك الآخرين يرسمون 
لنا حياتهما ، أم ترى الحب يموت أيضا ؟ ابتسمت وهي ترفع رأسها .. ببساطة لم يعد هو ، ولم تعد هي.. وما كان لهما أن يتورطا بدافع 
من مجرد الإلتزام . لقد أحسنا وضع النهاية . 


       

لآرائكم وإقتراحاتكم راسلوني على البريد الإلكتروني التالي

رأيك يهمنا