
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
الطير المهاجر
بقلم سعاد حلمي
عقلانية هي دائما ، ربما كان لجدتها لأبيها الفضل الأكبر في ذلك ، يوم وفاة والدتها استطاعت أن تقهر جدتها الفزع الأكبر في نفسها ،
قالت لها : ( كلنا سنموت ، لأن الموت حق ، فما بالك إذا كان هذا الموت قد رحم أمك من عذاب مرضها اللعين ؟ ).
رغم حداثة سنها وقتذاك اقتنعت بمنطق جدتها ، وبهذه الروح تقبلت زواج والدها ولم تمض على وفاة والدتها سوى شهور قليلة ، بل و
دافعت عنه في مواجهة أسرة المرحومة والدتها ، ولم تتردد في الانحياز إليه حينما وضعت أمام الخيار الصعب . ربما كانت بحكم
العاطفة ، تميل إلى أحضان أفراد أسرة والدتها الدافئة ، لكن مصلحتها كانت في الوقوف بجانب أبيها .
ومرت السنوات وتفوقت في كلية العلوم وعينت معيدة ، ثم حصلت على منحة إلى إنجلترا ، للحصول على درجة الدكتوراه . قبيل ذلك مباشرة
خطبت لأستاذها الدكتور عمرو ، أحسنت من دون شك الإختيار ، كان يكبرها بعشر سنوات ، عالم في مادته ، متفتح في تفكيره ، مستعد للزواج
بكل مسؤولياته ، في أول اختبار لجدارته نجح بامتياز ، فقد عارض والدها فكرة السفر قبل الزواج ، ورغم أنه ما من رجل يقبل الانتظار
أربع سنوات ، حتى تعود خطيبته من بعثتها .وأثبت الدكتور عمرو أنه ليس أي رجل ، وقال أنه وهو يختارها لم يغب عن ذهنه سفرها في
بعثة ، وأن واجبه كأستاذ يحتم عليه الموافقة والتشجيع .وإذا كان قد انتظر كل تلك السنين دون زواج ، فلن يضيره أربع سنوات أخرى
إليها . فرحت بكلامه ‘ عقلاني مثلها . موقف الوداع بينها وبينه في المطار ، لم يدم أكثر من دقيقة . رجاها أن تطمئنه بخطاب بمجرد
استقرارها ، ووعدها بانتهاز كل فرصة مؤتمر خارجي ليزورها .
المشوار من مطار هيثرو إلى قلب المدينة الضبابية استغرق حوالي ساعة ، والأحاديث التي دارت بينها وبين ذلك الشاب من بني جنسها ،
جعلتها تشعر كما لو كانت تعرفه منذ سنين ، تبسطت معه ، ولم يكن التبسط من طبعها ، ووثقت به ، ولم تكن من النوع الذي سرعان ما يثق
، وأحست بالفضول لمعرفة حقيقة ظروفه ، ولم تكن أبدا شخصية فضولية ، وببساطة وسهولة رتب أمور معيشتها ، قال لها : ( ما دمت ستدرسين
في جامعة لندن ، فمن الأفضل أن تجدي سكنا على مقربة منها ، توفيرا لأجور المواصلات المرتفعة . أعرف سيدة لطيفة تدير بيتا أغلب
المقيمين فيه من الطلبة المغتربين ، ومن المؤكدأننا سنجد لديها حجرة خالية ) .
وصلا إلى البناية تولا عنها إجراءات الحجز ، كان الأمر أعقد مما تصورا ، فقد كان اليوم هو السبت ، وكل الناس بمن فيعم مديرة البيت
في عطلة نهاية الأسبوع ، ولم ييأس هو ..الأستاذ حسام ، استطاع الحصول من أحد السكان على رقم هاتف بيت المديرة ، ولحسن الحظ وجدها
واتفق معها ، وأخذها معه إلى بيتها لتسلم المفتاح ، ثم أعادها لتستقر في الحجرة النظيفة ، وظنت أن مهمته انتهت ، لكنه ضحك قائلا :
(ستبيتين جائعة إذا لم أحضر لك شيئا من شقتي ، نحن الآن مساء السبت ،وغدا الأحد وكل المحلات مغلقة والحياة العامة تكاد تكون متوقفة
، فالأغلبية تقضي عطلة نهاية الأسبوع خارج المدينة ، وإذا لم تقبلي رفقتي غدا فستشعرين بغربة قاسية ) .
لم تجد مفرا من قبول الدعوة ، وجاءها في العاشرة صباح اليوم التالي ، طاف بها بسيارته معظم أحياء لندن ، وانتهيا إلى حديقة ريجنت
بارك ، حيث دعاها لتناول الطعام في الكافتيريا ، وحين توصيلها إلى مكان سكنها ، ناولها مجموعة من الخرائط لمعرفة خطوط الأوتوبيس
ومترو الأنفاق ، وطمأنها إلى أنه سيسأل عنها .
تعمدت عدم الاتصال ، فقد أرادت أن تقهر في أعماقها لهفة دخيلة ، حاولت إقناع نفسها بأنها حداثة الغربة ، ومارس عقلها سلطانه ،
فأقنعها بأنها مرحلة عابرة ، وبأنها بمجرد انخراطها في الدراسة ، لن تعير وجود حسام اهتماما ، لكن حسام لم ينقطع عن السؤال
عنها ودعوتها بين الحين والآخر للخروج بصحبته ، لزيارة معالم المدينة . ووجدت نفسها ، على الرغم من اتساع دائرة معارفها من
المصريين والأجانب بعد شهور ، لا تطمئن ولا تسعد إلا برفقة حسام ، بل ولا تتلهف على خطاب يصلها من خطيبها الدكتور عمرو ، مثلما
تتلهف على مكالمة هاتفية من حسام أو بعض الوقت تقضيه معه . وفي محاولة لقهر كل تلك الأحاسيس المتدفقة لجأت إلى وقفة مع نفسها ،
ماذا تجد في هذا الشاب الأسمر المهاجر مما يجذبها إليه كل هذا الانجذاب ، الذي لم تعرف له مثيلا في حياتها من قبل ؟ كان في السنة
الثانية في كلية التجارة ، حينما سافر إلى لندن ، في الإجازة الصيفية ولم يعد ، تسع سنوات مرت عليه في العمل بعيدا عن الدراسة
الجادة ، ، التي كرست هي لها وقتها ، وأكثر بعدا عن فكرة العودة إلى الوطن للاستقرار . قال لي بصراحة : ( لا تعتقدي أنني رسمت
طريقي عشوائيا ، لقد حسبتها في ذهني وقتذاك ، إذا رجعت إلى الوطن ، وحصلت على البكالريوس ، متى سأجد عملا ، وكم سأتقاضى راتبا ،
وكيف أحقق بالدخل المتواضع حياة كريمة ؟ في حين أنني هنا من دون شهادة جامعية ، ومن دون ( كوسة ) ، على حد التعبير الشائع
عندهم ، وبمجرد مجهودي الشاق حققت الكثير ، الذات والاحترام وأيضا المادة . أملك الآن شقة صغيرة وسيارة ، ولدي رصيد في البنك
وأمامي مستقبل ) .وسكت شاردا ثم ابتسم وهو يقول بلهجة تقطر صدقا : (أبدا لا أنسى وطني ، حبه في دمي ، ومن أجل هذا الحب خففت عنه
عبئي ، تركت مكاني في الجامعة ، وحتى في الوظيفة وفي الشقة لآخر ، لا تتوافر له مثل فرصتي ) . من جديد سكت ساهما ثم استطرد :
( لا ينقصني سوى الاستقرار الأسري ) . سألته وهي تداري ارتباكها : (لماذا لم تتزوج انجليزية ؟ ) ترك عيناه في عينيها قائلا :
( أريدها مصرية ) . لم تخرج من هذه الوقفة بشيء يقطع عليها خط الرجعة ، ولأول مرة في حياتها أحست بصراع بين العقل والقلب ،
الأول كان يربطها بوطنها ، وبخطيبها ، والثاني كان يجذبها إلى عالم لم تعرفه من قبل ، كله نبض ، كله حب . حينما وصلتها رسالة
من الدكتور عمرو ، يخبرها فيها بأنه في طريق عودته من مؤتمر سيحضره في أميركا ، سيتوقف في لندن لقضاء أسبوع معها ، تصورت أن
القدر يقدم لها الحل ، ستحتمي بوجود خطيبها من حيرتها ، عمرو هو اختيار عقلها الذي أوصلها إلى ما وصلت إليه ، هو مستقبلها
واستقرارها ، تفكر ربما تحاول إقناعه بعقد قرانهما في لندن ، يتزوجان أيضا ، يقضيان هذا الأسبوع زوجين ، وبذلك تضع نهاية للصراع .
أصر حسام على أن يكون برفقتها في استقبال الدكتور عمرو في المطار ، على أن يعود به إلى الفندق الذي حجزا له فيه . لم تعارض ،
أرادت وضع نفسها في ذروة الصراع حتى يكون قرارها بعد ذلك قاطعا .
البداية لم تكن مشجعة ، لقاء فاتر بينها وبين الدكتور عمرو ، كأنما لم يفترقا إلا ساعة من الزمن ، على الرغم من أن عاما طويلا
كان قد مضى . تركت صوت العقل يكبل عواطفها ، وحسام وعد بأن يختفي طوال فترة وجود الدكتور عمرو ، صارحني بأنه لن يسمح لنفسه ،
مهما كانت حقيقة عواطفه نحوها ، بالتدخل في قرارها ، واختفى بالفعل ، لكنها لم تنفذ شيئا مما كانت تفكر فيه ، خلال الأسبوع الذي
أمضاه خطيبها معها ، لأنها شعرت معه بالغربة ، وفي وجوده بالحنين إلى حسام ، وحال ذلك دون محاولة استمالته إلى فكرة الزواج ،
التي لا تظن أنه سوف يرفضها ، بل ربما قد يكون قد ألمح إليها بطريقته غير المباشرة ، لكنها تجاهلتها عمدا .
بعد رحيله كانت هي التي اتصلت بحسام ، كالظمآن يبحث عن قطرة ماء ، كالغريق يريد طوق النجاة ، قال هو : (أحبك وأريدك زوجة ،
نعيش هنا ، نعمل ، ندرس ، نبني أسرة ، ونعود كل عام إلى وطننا الأم في زيارة ) . وقالت له : ( أحبك ، هذا صحيح ، وأحلم
بالحياة ،التي تعرضها علي ، لكنني لا أدري ما إذا كنت بذلك قد اتخذت القرار الصحيح ، أم أخطأت الطريق ) .
![]()
لآرائكم وإقتراحاتكم راسلوني على البريد الإلكتروني التالي
رأيك يهمنا